كان يركب القطار، كٌتب على التذكرة إنها الدرجة الثانية ولكن فى الواقع كان القطار درجتين فقط، الأولى والثالثة إما الثانية فلم تكن توجد سوى فى مخلية قاطعى التذاكر. كانت الدرجة الثالثة درجته المفضلة، ليس لأنه فقير، فى الحقيقة لقد كان معتادا دائما أن يركب الدرجة الأولى، ولكن فى أحد لليالى الشتاء، وعلى رصيف محطة سيدى جابر بالإسكندرية، تجاذب أطراف الحديث مع رجل غريب، وأقنعه أن عليه أن يركب الدرجة الثالثة ليرى أناس مختلفة. دخل القطار وأخذ يبحث عن مكان بجانب الشباك، فجأة انتشر صوت أم كلثوم، كان هناك شخص ما يستمع إلى أغاني أم كلثوم، ولكنه لم يكن يملك سماعات، فقرر أن يجعل جميع العربة تستمتع إلى أم كلثوم، كان الوقت فجرا ولم يشتكى أحد، فهى بداية طيبة لليوم. جلس الفتى ووضع سماعته فى أذنيه، لكنه فى الحقيقة لم يشغل أى أغانى، فلقد كان مازال يستمع إلى أغاني أم كلثوم. تحرك القطار وتحركت معه عقارب الساعة، أختفى الظلام تدريجيا، وأخذ يحل محله حالة وسطية من الهدوء تربط بين الظلام والنور، تدريجيا بدأ الصباح يعلن عن نفسه بروائحه وأصواته وألوانه البيضاء. بدأ بعض الركاب من كبار السن يشتكون من صوت أم كلثوم العالى، وبعد بعض المناوشات قام الشخص بتهدئه الصوت ووضع الموبايل على أذنيه. نظر الفتى إلى الوجوه المحيطة به، فلم يجد جديد، فسكان الدرجة الثالثة تعتيرهم نفس الملامح والتعبيرات نفسها في كل مرة يرافقهم، ملامح تحمل الخوف من المستقبل، وبعض الندم والرضا بالحال، مازالوا يحاولون حتى فى المعارك الخسارة، لكنى أراهم رغم حزنهم مستعدين للكفاح كل يوم، ربما المعارك الخسارة لهم هى مكسب على الأقل إنها دليل أن الشخص مازال يحاول. قرر الفتى أن يقرأ كتابا، ولكنه لم يستطيع، فالمناخ العام غير ملائم، فالالباعه الجائلين لن يتروكه ينعم بالسلام، لهذا قرر أن يفكر فيها، تلك التي تنتظره فى نهاية الرحلة، ارتسمت على شفتيه ضحكة بسيطة عندما تذكرها، كان سعيدا لأنه سيراها أخيرا، أخذ يكتب إليها و يتخيل كيف سيكون لقائهما؟ سرقة الوقت حتى وجد نفسه فى السفارة الأسبانية، وهي على بعد أمتار منه، كانت طاقة الحياة لديه مرتفعة، لكنها باغتته من حيث لا يدرى، عندما دخل أخذ يبحث عنها فى كل مكان لكنه لم يجدها، شعر بالراحة عميقا، فهو ليس مستعدا لهذا اللقاء، ولكنها ظهرت من العدم، كانت قد فاقت كل تصوراته، أقتربت منه وأخذت تتحدث بسرعة ولكن الزمن عنده توقف، فهو مازال مذهولا برؤيتها، إنها تشع طاقة حياة جعلته يشعر أنه ضئيل للغاية، كان فمه يتجاوب معها، ولكن عقله وقلبه قد توقفا منذ رؤيتها، كان من أوائل من أنهوا الامتحان مبكرا، كان منتشيا ويضحك وهو فى الأمتحان بعد رؤيتها، أنتهى وتمنى لو يراها ويقف معها مجددا، لكنه مضى، مضى وليته لم يمض، فقد كانت تبحث عنه لكنها لم تجده، وهو سيظل يبحث عنها ربما إلى الأبد..
كوكب الأرض ليس الأفضل، وإن حاولنا مقارنته بالكواكب الآخرين، فسنجده كوكب صغير وغير مميز، وقد تظن الكواكب الأخرى أن لا أهمية له. ولكن على العكس تماما، فالبنسبة لنا كوكب الأرض هو أكثر الكواكب تميزا فى الكون، إنه إستثناء نادر جدا، لدرجة أنه لا يوجد أى كوكب يشبه. وهنا محور النظرية أن نضع وقتا أكثر لإيجاد نقاط تميزنا عوضا عن مقارنة أنفسنا أو ظروفنا بالآخرين. فى المقارنات سوف تخسر غالبا، وستضعفك ولن تقويك. فالأرض صغيرة بالنسبة للآخرين هذة حقيقة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن إنكار جمال الأرض الداخلى وتميزها الفريد. أعتقد أننا كبشر عموما نقارن نفسنا بالآخرين من وقت للآخر، ونقول لو كنت أملك هذا فقط، أو لدى ما عنده أو عندها من صفات.سوف يحدث هذا لا شك لكن المهم أن لا يحدث بدون أن نعى مميزاتنا، وأن لا نسعى بأن نقارن عيوبنا بمميزات الآخرين. أنا أؤمن أن المقارنة الوحيدة التى تستحق التفكير فيها، هى مقارنة أنفسنا بنسخنا السابقة، وقياس إن كنا نتحسن أو نتراجع، فهذه من المقارنات النادرة التى يمكنك الفوز فيها. لذا فى المرة القادمة التى تحاول أن تقارن نفسك بشخص آخر، تذكر أن كوكب الأرض الصغير هذا هو أكث...

Perfect
ردحذفThanks
حذف